ادوارد غوردون كريج ومسرح المستقبل

 



 

ادوارد غوردون كريج 1872-1966
 
مخرج ومصمم ومنظر انكليزي بدا حياته ممثلا اواخر القرن التاسع عشر  ثمتحول الى الاخراج المسرحي وهو من اسرة فنية معروفة .
تقوم الرؤية الاخراجية عند كريج على مرجعية فكرية ان المسرح فن بصري تخنقه اللغة والكلمة  اما مرجعيته الفلسفية فترتبط بفلسفة نيتشه في مفهوم الانسان الكامل الذي استعاض عنه كريج بفكرة السوبر ماريونيت لتحقيق هدف فلسفة نيتشه  اذ ينبغي على القيم التي نضيفها للحياة ان تعمل على السمو بمستوى الانسانية للوصول الى خلق نوع جديدوهذا ما طبقه في المسرح رافضا اساليب المسرح التقليدي.[1]

ان نظرة غوردون كريج لفن المسرح كفن بصري  والقادمة من خلفيته التشكيلية كمصمم ومن تاثره بالفلسفة المثالية والفكر الرمزي جعله لاول مرة في تاريخ المسرح يعيد النظر باهمية الممثل في العرض المسرحي فبعد ان كان الممثل يعد دائما العنصر الاساسي في العرض المسرحي صار عند كريج عنصر تشكيلي ضمن لوحة الصورة المسرحية وتوازت اهميته مع اللون والضوء والديكور .

اضافة لذلك فان هذه النظرة بلورت رؤيته الاخراجية بعدم تقديس النص واعطاء الاهمية للحوار واللغة المنطوقة بل تحويلها الى صور مسرحية لانها تخاطب حاسة البصر الاقوى لدى الانسان ولانها  اكثر قدرة على التعبير عن التعبير عن جوهر الاشياء وفق مفهوم الرمزية  وان كان هذا لا يتفق تماما مع المدرسة الرمزية التي لا ترفض اللغة لكن ترفض الزخرفة واللغة الراقية وتعتمد لغة مكثفة وذات دلالة .

حلم كريج بمسرح يخاطب المشاعر من خلال الحركة , اذ يستغني عن الحبكة التقليدية والاحداث ويختصر العرض بكتل متحركة مع الاصوات والضوء ولهذا اقتصر دور الممثل عنده على الاداء الجسدي الحركي وفق مكعبات وشاشات ومصادر اضاءة متعددة دون حوار ودون التركيز على ابعاد الشخصية المسرحية  فالممثل يجب ان يتوقف عن الكلام لان التمثيل فعل والرقص شعر الفعل . [2]

 

 

 وحين يتعذر على الممثلين القيام بما يريده كان يستبدل الممثل (بالسوبر ماريونت ) الذي يعتبره تجريد للممثل الحقيقي ,وهذا لا يمكن ان يطبق عمليا لان التجريد  ممكن تطبيقه على الاشياء المادية مثل الاشكال والحركات لكن لا يمكن تطبيقه على مشاعر واحساس الممثل  لذا لا يكون السوبر ماريونت بديلا للممثل .

لا بد من مناقشة ما ورد في كتاب المسرح التجريبي عن تاثر كريج بمدرسة الباوهاوس الالمانية في العمارة , الحقيقة  هناك مقاربة بين  اعمال كريج ومدرسة الباوهاوس  حيث اعتمد التصميم المعماري في بناء المشهد المسرحي وليس قطع ديكور او مناظر مرسومة ووظف الفضاء  المسرحي كفضاء معماري لكنه لم يتاثر بها لانه يسبقها تاريخيا فقد بدا العمل بداية القرن العشرين بينما ظهرت مدرسة الباوهاوس بعد الحرب العالمية الاولى وتحديدا عام 1919.

ترى بربارا لاسوتسكا رؤية للعرض المسرحي على انه عمل فني قائم بذاته يشبه اللوحة او المقطوعة الموسيقية وله شخص واحد  يبدعه هو المخرج بشرط ان يتمكن من ادواته وتحديدا وتحديدا التعامل مع الفضاء والسينوغرافيا للوصول الى فن حقيقي خالص ويكتب اثناء ذلك نص العرض , عندئذ يصبح فنان حقيقي واصيل يطبع العمل المسرحي بروحه . [3]

 يمكن تلخيص الخصائص العامة لمسرح كريج الذي اطلق عليه (مسرح الغد ) او (مسرح المستقبل )واثرها في المسرح المعاصر  بالنقاط التالية :

 

1-   توظيف المعمار ذو المستويات المتعددة في عروضه كما في صورة رقم 1

2-    من اسباب اعتراض غوردون كريج على الممثل هو التناقض بين الحجم الحقيقي للممثل وبين المقاسات الهندسية لخشبة المسرح وفتحة البروسونيوم التي تجعل الصورة البصرية تفتقر الانسجام والهارموني لذا دعا الى استخدام السوبر ماريونت الذي يكون طوله 3 او 4 امتار فيبدو متناسقا مع الخشبة والكتل المعمارية فيها كما في صورة رقم 2.

3-   رفض كريج الواقعية وما تحمله من محاكاة للواقع لان فن المسرح ليس محاكاة او تقليد للواقع بل محاولة انتاج واقع جديد رمزي يعبر عن جوهر الحياة . [4]

 

 

4-   الصورة هي العنصر الاهم في العرض المسرحي مع توظيف مميز للضوء واللون مع تقليل اهمية النص واللغة المنطوقة  , وهذا مهد بعد ذلك  لظهور تيارات مسرحية مثل مسرح الصورة , واثر في عمل مخرجي ما بعد الحداثة الذين استبعدوا النص واعتمدوا في الاخراج على السرد البصري .

5-    استخدام الدمى الكبيرة العملاقة مع الممثل او بديلا عنه الذي تاثر به المخرجون البولنديون مثل تاديوش كانتور وجوزيف شاينا ومسرح الخبز والدمى الامريكي .

6-    توظيف الفضاء بطريقة رمزية من خلال حركة الممثل وحركة الكتل المعمارية  واستخدام شاشات العرض الكبيرة على الخشبة وهو اسلوب تبناه  المخرجون الانكليز من بعده مثل بيتر بروك, جون غيلغود , والمصممين مثل جوزيف زفوبودا ومخرجوا ما بعد الحداثة و استخدام الاقنعة  بنفس اسلوب كوميديا دي لارتي . [5]

 

7-   اعادة تقديم مسرحيات عالمية مثل اعمال  شكسبير وابسن باسلوب صوري تشكيلي وتوظيف ثنائية الظل والضوء.

 

ورغم فشل العديد من التجارب التي قام بها كريج في المسرح الانكليزي الا ان تاثيره في حركة التجريب  بقي مستمرا في المسرح المعاصر وتياراته المختلفة حول العالم .    

 



[1] ينظر كمال الدين عيد اعلام ومصطلحات المسرح الاوروبي ,الاسكنتدرية , دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ,2005, ص 50

[2] ينظر جيمس روز ايفنز ,المسرح التجريبي , بغداد , دار المامون للترجمة والنشر , 2007, ص ص 66, 67

[3] ينظر بربارا لاسوتسكا المسرح والتجريب بين النظرية والتطبيق ,تر:هناء عبد الفتاح ,القاهرة,المجلس الاعلى للثقافة 1999, ص95

[4] ينظر جيمس روز ايفنز,المسرح التجريبي , مصدر سابق , ص 72

[5] لقاء مع الباحث المسرحي الانكليزي مايكل مارديث (ترجمة الباحثة )عن تجريب غوردون كريج  في المسرح  عبر الرابط

 https://www.youtube.com/watch?v=o_YUn-WMgxo

 


تعليقات