تعبر صورة الغلاف للكتاب ليس فقط
عن محتواه بل عن للضحك والفكاهة فقد تم اختيار سمكة صغيرة ملونة
ترتدي زعنفة سمكة كبيرة كاسماك القرش ويجسد هذا المعادل الصوري للفكاهة مقولة الكاتب
الايرلندي (برنارد شو ) : " اذا رايت شيئا مضحكا , انظر الى ما وراءه " اي ان الضحك
ليس بنية سطحية بسيطة بل بنية عميقة نفسية وفلسفية .
هناك عدة طرق لاثارة الضحك منها الفكاهة
والسخرية وهناك فروق واضحة بينهما,
الفكاهة, الحالة المضحكة "الصفة في العمل او الكلام او الموقف او في
الكتابة التي تثير الضحك لدى النظارة او القراء "[1]
اما السخرية satire "
تالتمثيلية الهزلية التي تخلط الحوار النثري مع بالحوار المنظوم وموضوعها عادة نقد
الاخلاق والعادات الاجتماعية "[2]
اي ان السخرية تركز على الجانب الانتقادي
للسلوكيات الفردية او الاجتماعية
اكثر من الفكاهة عند اثارة الضحك .
هناك محوران اساسيان في الكتاب
المحور الاول : مفهوم الفكاهة من زاوية الفلسفة وعلم النفس
المحور الثاني : اشتغالات الفكاهة في الادب والمسرح
المحور الاول
1-
تقوم الفكاهة بتفريغ التوتر النفسي ويتوضح ذلك عبر نظرية الاطلاق ( relief
theory)
وكلمة relief تعني راحة او اعفاء او انقاذ من حالة التوتر.
2-
الفكاهة تثير الضحك على حالة تشوه
فاذا التشوه خلقي فهي مؤذية وغير
انسانية اما التشوه الاخلاقي او السلوكي فهو الجانب المهم في الفكاهة ويعمل ذلك
على عدة مستويات
أ- اثارة الشعور بالتفوق وهذا ما ركزت عليه الادب الانكليزي سابقا لان السخرية
عندهم غالبا من الطبقات الادنى ولا يوجد مساس بطبقات النبلاء .
ب- الاحساس بالعدالة عند معاقبة
الشخصية المشوهة سلوكيا مثل الشخص المغرور او المنافق او البخيل .
ج-
التحرر من الخوف عند التهكم على الانظمة السياسية او الطبقات العليا من
المجتمع .
تنشا الفكاهة غالبا من التناقض ويرتبط ذلك بفلسفة ارسطو عن التداعي بالتضاد(
صفة حالتين فكريتين موجودتين معا مثل التضاد بالالوان )تكشف احداهما الاخرى
( الملاك والشيطان, الكريم والبخيل ) .
يقول الروائي الفرنسي (ميلان كونديرا ) ان
هذا يعمل عمل المراة ويوضح ان سمات شخصية (عطيل) لا تتوضح الا بوجود نقيضه (ياغو)
, وان هذا التناقض يضفي شيء من المرح على الشخصية الشريرة يكون بمثابة ستار
لافعالها .
اما
(ميخائيل باختين ) فيرى ان الفكاهة اداة
فكرية وفعل مقاومة برز دوره تاريخيا في المراحل التاريخية التي تتعرض فيها
المجتمعات الى حروب مدمرة اوانظمة دكتاتورية
وهذا ما حصل معه في حقبة ستالين ,
ويربط بينها وبين الكرنفال اي انها فعل جماعي يهدف الى تقويم سلوك المجتمع وليس الافراد
فقط كما عند( فرويد ) الذي يرى فيها عودة بالانسان الى الفرح الطفولي وتحررا للفرد
من سلطة المجتمع وقيوده .
اما برغسون فيحدد وظيفة الضحك وخصائصه فالشيء المضحك له خصائص انه انساني واجتماعي (ليكون له صدى جماعي )
ويشترط اللامبالاة العاطفية (عملية عقلية ) , تغلب عليه الالية , وهناك تكرار ,
وقد يكون خلق لا يتوافق مع المجتمع وليس سلوك قبيح , ويعتمد على الانماط .
المحور الثاني
فكرة الفكاهة والضحك اثرت كثيرا في الاداب والفنون وهي موجودة في الادب العربي مثلا في فن الهجاء
في الشعر وفي المفارقة في فن المقامة , وفي المسرح انتجت لنا انواع مختلفة من
المسرحيات الكوميدية مثل الفارس والكوميديا
السوداء التي ينشا فيها الضحك من سلوكك
الشخصية او من الموقف الدرامي او تكون كوميديا انتقادية ( اعمال برنارد شو ) التي
كانت على النقيض من الاعمال الانكليزية تهدف الى نقد التفاوت الطبقي والاستغلال
الانساني باسم العلم .
وظهرت لنا في المسرح شخصيات نمطية
مثل مهرج البلاط عند شكسبير الذي كان الشخص الوحيد الذي يستطيع الانتقاد
دون ان يتعرض للعقاب ويكون احيانا معقبا على الاحداث ومتنبا بمصيرها , والبخيل عند
موليير والشخصيات النمطية في كوميديا دي لارته , وكل هذه المسرحيات الكوميدية على
اختلاف انواعها لها جمهور واسع لان الحبكة فيها غالبا بسيطة والشخصيات مرحة وتفرغ
شحنة التوتر عند المتلقي وتنفس عن غضبه الاجتماعي .
(اندريه بريتون ) احد رواد السريالية
ان العاطفة عدو الفكاهة , اي انه يؤكد راي برغسون ان الفكاهة عقلية
فالكوميديا السوداء لا تلغي الجانب
الماساوي من الحياة لحساب الضحك بل تجعلنا نفكر اما الضحك فياتي من التناقض بين
هذا الواقع وما يجب ان يكون كما في
(العائلة توت ) .
وهذا التناقض يتجسد ايضا في مسرح (بريخت)
فالضحك وسيلة للنقد الاجتماعي وكان يرى ان المرح spass "
المسرح الذي لا يضحك الناس , يضحك عليه "
يضفي مزيد من الفعالية والقوة على الرسائل السياسية والاجتماعية وكذلك اعمال (انطون تشيخوف) التراجيكوميدية ,
والكوميديا هنا ليست فقط اثارة الضحك بل بل بيان قدرة البشر على تجاوز الاخطاء
وسوء الفهم والتفسير وهو شرط لاستعادة الحياة وتجديدها
[1] مجدي وهبة , كامل
المهندس, معجم مصطلحات اللغة والادب , بيروت ,مكتبة لبنان ,1974, ص 225
[2] مجدي وهبة المصدر
السابق ص 497

تعليقات
إرسال تعليق
رايك يضيف لمسة جمالية للمدونة